الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
483
المنقذ من التقليد
قلنا لهم : إذا جوّز المخاطب أن يخاطبه الحكيم بما لا يدلّ ظاهره ولا معناه وما يتعلّق به على مراده ، جوّز ذلك في كلّ خطاب يخاطبه به بأيّ لغة كان لا يستفيد من خطابه فائدة ولا يفهم له معنى ، وفي هذا سدّ الطريق إلى معرفة مراد اللّه تعالى بخطابه أصلا ، وفيه بطلان المعنى الظاهر والباطن جميعا . فإن قيل : ما الفائدة في إنزال اللّه تعالى بعض القرآن متشابها ؟ قلنا : يجوز أن يكون فيه مصلحة لا يعلمها غير اللّه تعالى هذا ، مع أنّا نذكر فوائد في ذلك يرجع بعضها إلى الموافق وبعضها إلى المخالف . أمّا ما يرجع الموافق فوجوه : منها : أنّه لو كان القرآن كلّه محكما دالا بظاهره على الحقّ من التوحيد والعدل لكانوا يقتصرون عليه في التوصّل إلى الحقّ ، وأعرضوا عن الاستدلال عليه بأدلّة العقل ، لاستثقالهم الفكر والبحث وإتعاب الخاطر على ما هو معهود من طباع أكثر الناس وكانوا متوصّلين إلى الشيء بغير طريقه ، فبان « 1 » الاستدلال بالقرآن إنّما يصحّ بعد معرفة التوحيد والعدل . وليس كذلك إذا كان بعض القرآن ظاهره يفيد التوحيد والعدل وظاهر بعضه يوهّم التشبيه والجبر ، لأنّه إذا كان كذلك لم يكن المكلّف بأن يتعلّق بأحدهما أولى من أن يتعلّق بالآخر ، فيضطرّ عند ذلك إلى استعمال العقل بالفكر في أدلّته ، ولو كان كلّه محكما ، لم يكن مدفوعا مضطرّا إلى ذلك . ومنها : أنّ الموافق إذا اعتقد إعظام القرآن وتنزيهه عن المناقضة ثم رأى فيه ما يتوّهم فيه مناقضة ، راعه ذلك واستعظمه ، وكلّ من راعه أمر من الأمور فانّه يلتجئ إلى فكره وعقله . فإذا فكّر في طريق ما يجوز عليه من الأفعال وما لا يجوز ، وما يجوز أن يريده وما لا يجوز ، عرف بفكره الصحيح في ذلك ما يجوز عليه
--> ( 1 ) م : لأنّ .